شواب: 3 تغييرات ضرورية لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة

حدد المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، البروفيسور كلاوس شواب، خلال جلسة في القمة العالمية للحكومات، تحت عنوان: «هل بدأت الثورة الصناعية الرابعة؟» ثلاثة تغييرات قال إن على الحكومات أن تبادر بها لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة، هي: بناء مستقبل واحد لشعبها من خلال إسعادهم وتوفير الحياة الكريمة لهم، وإعادة تشكيل الحكومات وتغيير أفرادها والنظر إلى نفسها من خلال التجديد والابتكار والتواصل مع المواطنين من خلال منصات عدة (التطبيقات الذكية وغيرها)، إضافة إلى التركيز على تنمية رأس المال البشري وعلى المهارات والمواهب الشابة من خلال تحفيز المسؤولين الحكوميين على رفع مستوى جهوزيتهم وتقبلهم للمتغيرات غير المتوقعة.
كلاوس شواب:
«تغييرات الثورة الصناعية الرابعة لا تصل كالأمواج الهادئة، بل كالتسونامي».
ونوه شواب بقدرة الإمارات على استشراف المستقبل، لافتاً إلى أنها «حققت كثيراً من الإنجازات على مؤشر التنافسية العالمية»، وقال إن «مواكبة الثورة المقبلة تستدعي العمل بأقصى طاقة ممكنة من خلال الإصرار على تغيير ما هو موجود في أعماقنا».
وأكد شواب ضرورة أن تستشرف الحكومات المستقبل، حتى تواكب التطورات، لافتاً إلى أن الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية بدأتا في صناعة المحركات واكتشاف الكهرباء، فيما أسهمت الثورة الصناعية الثالثة في ظهور الحواسيب التي أفضت بنا إلى العصر الرقمي، وتحول العالم إلى الثورة المعلوماتية التي أسهمت بدورها في تطورات عدة، أما الثورة الصناعية الرابعة فتوقع أن تكون هائلة ومختلفة، بسبب التغير الهائل الذي يشهده العالم في مناحيه كافة.
وشرح أن أبرز الاختلافات بين الثورة الصناعية الرابعة، والثورات الصناعية الثلاث السابقة، أنها لن تكشف الهوة بين الدول المتطورة والأقل تطوراً فقط، بل حتى بين الدول الأخرى التي سارت في طريق التطوير والابتكار وحققت السعادة لشعوبها».
وأشار شواب إلى أن الثورة الرابعة تختلف عن الثورات الصناعية الثلاث بسرعتها الهائلة، فالتغييرات التي تأتينا بها لا تصلنا كالأمواج الهادئة، بل كالتسونامي. أما الاختلاف الثاني، فيتمثل في أنها – أي الثورة الرابعة – لا تقدم لنا إنجازاً واحداً فقط، بل إنجازات عدة متلاحقة، في وقت قياسي، فالاختراعات والابتكارات تدعم بعضها بعضاً، وتترابط بشكل كبير، مثل الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات.
أما الاختلاف الثالث، بحسب شواب، فيتمثل في أن «الثورة الصناعية الرابعة لن تأتي فقط بخدمات ومنتجات جديدة، بل بمنظومات عمل جديدة في كل القطاعات»، موضحاً أن «هذه الثورة لن تغير فقط ما نقوم به بل ستغيرنا نحن، وعلينا أن نكون جاهزين لهذا التغيير، وعلى الحكومات أن تكون جاهزة وقابلة لمواكبة وتبني هذه الابتكارات التكنولوجية، فتخرج من (منطقتها الآمنة) ونظامها الهرمي والبيروقراطي، نحو اعتماد التطبيقات المبتكرة التي تتيحها الثورة التكنولوجية، من أجل التواصل مع مواطنيها، وتقديم الخدمات التي تحقَّق لهم».
 
وشدد شواب على أهمية تنمية القدرات القيادية في ضوء الثورة الصناعية الرابعة، مشيراً إلى «نقاط تجب مراعاتها عند القياديين، هي تنمية الذكاء في إطار منظومة سريعة التغيير وتنمية روحية من خلال التحلي بروح طويلة الأمد، تستعد لمواكبة المستقبل والجهوزية التامة لمواكبة التغيير والتطوير»، مؤكداً أن «التغيير سيوفر فرصاً كثيرة للتقدم والرقي الحضاري والمجتمعي».
 
وأوضح شواب أن «هذه الثورة التكنولوجية تمثل بداية لدخول حضارة جديدة تتسم بالتطور والرقي، ما يملي على الحكومات خلق أشخاص أكثر استنارة وقدرة على مواكبة التطورات»، مؤكداً أن «لدى الإمارات القدرة على إحداث قفزات كبرى في مجال الابتكار وحكومات المستقبل، بوصفها مختبراً للابتكار والإبداع على مدار العام».
وتابع أن «الإمارات تمتلك رؤية بعيدة المدى، وقدرة على استشراف المستقبل، ما يؤهلها لقيادة مختبر المنظومات المبتكرة للمستقبل، نيابة عن العالم»، لافتاً إلى أنها «حققت كثيراً من الإنجازات على مؤشر التنافسية العالمية، وهي قادرة على تحقيق قفزات مذهلة بشكل مستمر»، مؤكداً ضرورة مواكبة الثورة المقبلة من خلال تغيير ما بداخلنا.

كلاوس شواب وصعود منتدى “دافوس”

لم يكن كلاوس مارتن شواب، البروفيسور الألماني في الاقتصاد والمدرس في جامعة جنيف بسويسرا، يتخيل في أقصى أحلامه جموحاً، ان الندوة التي دعا اليها في عام 1971، وضمت 444 مديراً تنفيذياً للشركات الصناعية في أوروبا الغربية، للتعرف على الخبرات الأميركية في الإدارة، سوف تكون منطلقاً لبناء “صناعة” مؤتمرات اقتصادية دولية تحمل بصمته وتقترن باسمه، ألا وهي الصناعة التي تحمل اسم المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، المعروف بمكان انعقاده الأصلي، دافوس، سويسرا.
والآن يتربع كلاوس شواب، البالغ واحدا وسبعين عاماً (مواليد 30 آذار 1938) على عرش امبراطورية ضخمة وصناعة جامحة، عمادها جمع قادة أكبر ألف شركة في العالم ورؤساء الدول وصانعي السياسة والرأي العام في ملتقى سنوي ثابت في الشهر الأول من كل عام، في منتجع دافوس الشتوي في جبال الألب السويسرية. وهو الملتقى الذي ينعقد لخمسة أيام في أجواء من الرفاهية الاستثنائية، لمناقشة طائفة من القضايا الساخنة في الاقتصاد والأعمال والسياسة والبيئة.
ولأن النجاح يجر النجاح فقد “فرخ” منتدى دافوس الاقتصادي العالمي منتديات قارية وإقليمية، أهمها “اللقاء السنوي للأبطال الجدد” في الصين، أو “دافوس الصيفي” والذي يضم قادة الأعمال والسياسة في الدول الصناعية الصاعدة بما فيها الهند وروسيا والبرازيل وطبعاً الصين، اضافة الى المنتدى الاقتصادي العالمي لقارة أميركا اللاتينية، وسلسلة من اللقاءات الاقليمية التي تحمل اسم دافوس الى مناطق أخرى من العالم مثل أوروبا، آسيا الوسطى، روسيا، افريقيا والشرق الأوسط.
 وعلى غير العادة، فإن المنتدى الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط ينعقد خلال العام المقبل لمرتين في قطر والمغرب، بعد أن كان يتناوب الانعقاد في البحر الميت (الأردن) وشرم الشيخ (مصر) خلال السنوات السبع الأخيرة.
كان كلاوس شواب في مطلع السبعينات مجرد بروفيسور أكاديمي، يدرس سياسات الأعمال في جامعة جنيف. كان حينها يحمل شهادة الدكتوراة في الاقتصاد من جامعة فريبورج وأخرى في الهندسة من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا، ودرجة الماجستير في الإدارة العامة من مدرسة جون ف. كيندي للحكومة في جامعة هارفرد. أما الآن فقد أضاف الى رصيده الأكاديمي سبع شهادات دكتوراة فخرية، جراء الأعمال والمبادرات التي حملت بصمته واسمه، وبات نجماً عالمياً، وربما لا تضارعه شخصية أخرى في معرفته المباشرة بقادة العالم والشركات العملاقة وصانعي القرار السياسي والاقتصادي.
لا تشير سيرة كلاوس شواب الذاتية الى أية مساهمات أكاديمية كبيرة أو مميزة، بل انها لا تشير الى مؤلفاته أو مقالاته. لكنها تبرز بالمقابل مواهبه العملية في جمع النخب الاقتصادية والسياسية في حوارات ومبادرات تقود الى “تغيير العالم”، أو حسب شعار المنتدى الاقتصادي العالمي “الالتزام بجعل العالم في حالة أفضل”.
ربما كانت أولى مساهماته المهمة هي تبنيه المقاربة الادارية القائمة على التوجه لأصحاب المصالح (Stakeholders) بدلاً من قصر الاهتمام على أصحاب الأسهم (Shareholders)، أي تلك المقاربة التي تبني نجاح المؤسسة على المديرين الذين لا يأخذون بالاعتبار فقط مصالح المالكين والزبائن أو العملاء، وإنما أيضاً المستخدمين والمجتمعات المحلية التي تعمل المؤسسات من خلالها، بما في ذلك الحكومات.
ومن المفارقات ان كلاوس شواب بنى قصص نجاحه المتكررة على الأزمات العاصفة التي مر بها الاقتصاد العالمي منذ مطلع السبعينات، وكذلك على تداعيات الصراع العربي الاسرائيلي على الاقتصاد العالمي، مثل انهيار نظام بريتون وودز، القائم على آلية التبادل الثابتة للعملات، في مطلع السبعينات، وحرب تشرين أول (أكتوبر) 1973 التي رافقها استخدام النفط كسلاح في الصراع العربي الاسرائيلي، ما أدى الى الارتفاع التاريخي الأول لسعر النفط عالمياً. وهكذا في ظل أحداث فارقة كهذه، انعقد منتدى دافوس السنوي الأول في كانون الثاني (يناير) 1974.
ان المنتدى الأوروبي للادارة الذي عقده شواب لأول مرة عام 1971، واستمر بالعمل حتى عام 1987، لم يلبث أن تحول بعد ذلك الى المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي طور له رؤية أوسع لتشمل توفير منبر لحل النزاعات الدولية، ما مكن القادة السياسيين من استخدام دافوس كمنصة محايدة لتسوية خلافاتهم. ففي عام 1988 أطلق منه “اعلان دافوس” بين تركيا واليونان لتسوية النزاعات العالقة بينهما، والتي كادت تهدد بحرب ضروس بين البلدين. وفي عام 1992 شهد اللقاء السنوي في دافوس الظهور العلني الأول لرئيس وزراء دولة جنوب افريقيا العنصرية دوكليرك جنباً إلى جنب مع نيلسون مانديلا رئيس جنوب افريقيا اللاحق، أي بعد نحو عامين، على اثر تصفية النظام العنصري فيها.
وفي عام 1994 شهد ملتقى دافوس السنوي ظهور شمعون بيريز وزير خارجية اسرائيل والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، عشية التوقيع على اتفاقية أوسلو الشهيرة. وفي عام 2008 حاضر بيل جيتس في المنتدى حول “الرأسمالية الخلاقة”، داعياً في محاضرته لاستخدام قوى السوق للتصدي الأفضل لاحتياجات الفقراء. أما ملتقى 2009 الذي انعقد على أصداء العدوان الاسرائيلي على غزة، فقد كانت ابرز ملامحه تلك المناظرة الساخنة بين رئيس الوزراء التركي أردوغان والرئيس الاسرائيلي شمعون بيريز، والتي انتهت بالانسحاب الغاضب لأردوغان لعدم منحه الوقت الكافي للرد على بيريز، الذي كان قد برر العدوان على غزة، ودافع عنه دفاعاً مستميتاً.
لقد صنع كلاوس شواب قصة نجاح شخصية بالاعتماد على نبوغه العملي في بناء صناعة عالمية مستدامة للحوار والالتقاء، أولاً على المستوى الأوروبي، ثم على الصعيد العالمي. لكن نجاحه هذا لا يعود فقط الى مزاياه الشخصية، وإنما أيضاً الى حاجة العالم الى منبر عالمي للحوار والبحث في المشاكل المتفجرة التي شهدها في العقود الثلاثة الأخيرة للحرب الباردة.
ما وفر لكلاوس شواب عوامل النجاح مقارباته الشخصية التي تعتمد الاستدامة والتوجه العريض لأصحاب المصالح، وفهمه الواسع للارتباط الوثيق بين السياسة والاقتصاد. إضافة إلى حاجة العالم، في ظل العولمة المتعاظمة، الى منبر دائم لمواجهة التحديات والكشف عن الفرص التي تطلقها العولمة، وبالأحرى الفرص لأصحاب المال والشركات الكبرى والتحديات الناجمة عن تعاظم الاستقطاب بين الثروة والفقر بين الشمال والجنوب، والحاجة الى تسوية النزاعات المتفجرة في العديد من مناطق العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط.
لقد حافظ المنتدى الاقتصادي العالمي على مدار السنوات التي انقضت على انعقاده الدوري منذ عام 1974 وحتى الآن، على مشهديته الكلاسيكية وتقاليده الرصينة، ومنها شعاره واسمه التجاري، الذي يتصدر واجهات مؤتمراته والتي تضفي على انعقاده صفة “الرقي” كملتقى للنخبة العالمية. ولقد كرس ذات التقاليد الرفيعة في تفريعاته القارية والإقليمية التي حصدت انتشاراً وإقبالاً قلّ نظيره في عالم صناعة المؤتمرات، التي ازدهرت بقوة مع صعود العولمة.
لكن هذا النجاح الاستثنائي للمنتدى، حيثما انعقد، ارتبط في أذهان الكثيرين، خاصة مناهضي العولمة، بنظرة سلبية، باعتباره عنواناً للعولمة الجائرة ومكاناً لالتقاء “القطط السمان”، واستعراضاً مشهدياً لأصحاب القوة والثروة. وذلك بالرغم من محاولة ادارة المنتدى توفير منابر متعددة فيه للحوار حول “سبل اصلاح السياسات”، وإضفاء قدر من التوازن على العلاقة ما بين الاقتصاد والمجتمع، وما بين النمو والاستدامة البيئية، ورعاية المبادرات العالمية للمسؤولية الاجتماعية.
أحد أوجه النقد التي لا يمكن إغفالها هو ارتفاع كلفة انعقاده حيثما حل، سواء في موطنه الأصلي، سويسرا، أو خارجه (كما هو حال انعقاده الأخير في البحر الميت) حيث يتطلب عقده اجراءات أمن صارمة ومكلفة. وهكذا فإن منتدى دافوس الاقتصادي العالمي يستثير ردود فعل متفاوتة الحدة، تبعاً للبلد الذي ينعقد فيه وطبيعة الاصطفاف الاجتماعي داخله.
لقد بلور مناهضو العولمة منذ عام 2001 منتدىً بديلاً أسموه “المنتدى الاجتماعي العالمي”، وقد قصد به أن ينعقد في الوقت نفسه لانعقاد دافوس، وذلك في محاولة لاجتذاب الأضواء الإعلامية نحو الحلول البديلة التي يقترحها عادة المنتدى الاقتصادي العالمي. ورغم ان المنتدى الاجتماعي العالمي “فرخ” بدوره منتديات اجتماعية قارية وإقليمية ووطنية في أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وحوض المتوسط وحتى في الولايات المتحدة، ورغم الوعود التي أطلقتها هذه المنتديات الاجتماعية بالوصول الى “بديل ثالث” للرأسمالية والشيوعية، أو إلى “بديل تشاركي”، إلا أن هذه المنتديات لم تستطع أن تبلور قوة عالمية ثالثة، أو خيارات اقتصادية اجتماعية واضحة، باستثناء انتقاداتها اللاذعة للرأسمالية والليبرالية الجديدة.
وعليه فإنه ليس من المستغرب أن يستمر المنتدى الاقتصادي العالمي في انعقاده السنوي بنجاح، حاشداً بضعة آلاف من نخبة أثرياء العالم وقادته السياسيين، حتى في ذروة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وأن يستمر في عقد المنتديات واللقاءات القارية والاقليمية في أرجاء مختلفة من العالم، وكأن دافوس السويسري وشقيقاته الكثر بات يسد حاجه دائمة للعالم. لذلك فهو يعيش ويزدهر ليس فقط في أوقات الازدهار والرواج الاقتصادي، وإنما أيضاً في زمن الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية والحروب والنزاعات الاقليمية، وكأنه المسرح الأبرز للعولمة المعاصرة!

منقول

معجزة التنمية في ماليزيا وفكر رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد

الفكر التنموي لمهاتير
منقول
تبنى مهاتير محمد المنهج التنموي ودفع بالمالايا نحو النهضة التنموية من خلال توفير مستويات عالية من التعليم والتكنولوجيا لهم، كما دفع بهم لتعلم اللغة الإنجليزية، وقام بإرسال البعثات التعليمية للخارج وتواصل مع الجامعات الأجنبية، حاول بكل جهده في إطار سياسته الاقتصادية بتجهيز المواطن الماليزي بكافة الوسائل العلمية والتكنولوجية لكي يستطيع الانفتاح والتواصل مع العالم الخارجي والتعرف على الثقافات المختلفة، ثم بعد ذلك الدفع به إلى سوق العمل من أجل زيادة الإنتاج وخفض مستوى البطالة بين أفراد الشعب، حيث كان يهدف لتفعيل الجزء الأكبر من المجتمع الأمر الذي يعود على ارتفاع مستوى التنمية الاقتصادية للبلاد في نهاية الأمر، واستطاع أن يحول ماليزيا من دولة زراعية يعتمد اقتصادها على تصدير السلع الزراعية والمواد الأولية البسيطة مثل المطاط والقصدير وغيرها إلى دولة صناعية متقدمة، حيث شارك القطاع الصناعي والخدمي في اقتصادها بنسبة 90 %، وأصبحت معظم السيارات التي توجد بها صناعة ماليزية خالصة، وزاد نصيب دخل الفرد زيادة ملحوظة فأصبحت واحدة من أنجح الدول الصناعية في جنوب آسيا، كما أدى هذا التحول إلى تقوية المركز المالي للدولة ككل.

وأصبحت تجربة ماليزيا في النهضة الصناعية التي قامت بها تحت رعاية مهاتير محمد مثل تحتذي به الدول، ومادة للدراسة من قبل الاقتصاديين.

تعرض الزعيم الماليزي مهاتير محمد للعديد من الانتقادات على مدار حياته السياسية حيث وصفه البعض بالديكتاتور ولكن جاء قرار استقالته وهو في قمة مجده لينسف هذا المعتقد حيث لم يستأثر بالحكم على الرغم من النجاح الساحق الذي حققه أثناء حكمه للبلاد، وظل مثيراً للجدل من قبل الغرب نظراً لتصريحاته اللاذعة الشديدة اللهجة دائماً.

وكانت أكثر هذه التصريحات جرأة وإثارة لغضب الغرب تلك التي كانت في القمة الإسلامية التي عقدت في ماليزيا حيث انتقد اليهود بشدة في كلمته التي ألقاها حيث أشار لسيطرتهم على القرار الدولي وقيامهم بإشعال نيران الحرب ضد المسلمين.

مؤلفات له وعنه

قام مهاتير محمد بتأليف كتاب ” معضلة الملايو” عام 1970م، وهو الكتاب الذي أثار ضجة وقام فيه بانتقاد الشعب المالاوي واتهمه بالكسل ودعا فيه الشعب لثورة صناعية تنقل ماليزيا من إطار الدول الزراعية المتخلفة إلى دولة ذات نهضة اقتصادية عالية، ولقد تم منع الكتاب من قبل منظمة المالايو القومية المتحدة ولكنه استطاع أن يتجاوز هذا وبدأ يظهر كشخصية سياسية لها فكر مختلف حتى وصل لرئاسة الوزراء عام 1981م.

كما قام بتأليف عدد آخر من الكتب منها كتاب ” صوت ماليزيا”، و”صوت آسيا – زعيمان أسيويان يناقشان أمور القرن المقبل” هذا الكتاب الذي قام بالمشاركة بتأليفه مع السياسي الياباني شينتارو اشيهار.

وقد قام عدد من المؤلفين والكتاب بتناول حياة الزعيم الماليزي مهاتير محمد والتجربة الماليزية سواء في مقالتهم أو كتبهم نذكر منهم الكاتب والصحفي الفلسطيني الدكتور عبد الرحيم عبد الواحد والذي قام بتأليف كتاب عنوانه ” مهاتير محمد .. عاقل في زمن الجنون ” حيث يستعرض فيه التجربة الماليزية والظروف التي عاشتها وكيفية تغلبها على الأزمات التي واجهتها، كما ركز في الكتاب على شخصية مهاتير محمد وفلسفته ورؤيته الاقتصادية والسياسية والإسلامية خلال فترة رئاسته للوزراء.

========

عاشق التنمية مهاتير
بقلم: رياض حاوي

أنظر شرقا، عبارة مشهورة كان دائما يرددها رئيس الوزراء الماليزي السابق تون دكتور مهاتير محمد، وكان بذلك يعبر عن اقتناعه العميق أن نموذج التغيير الحضاري يمكن أن لا يكون غربيا متأثرا بقيم الغرب بل يمكن أن يكون شرقيا متأثرا بقيم الشرق.

ومهاتير واحد من الزعماء المخضرمين الذين ينتمون إلى الحقبة المزدوجة الفاصلة بين قوة العالم الثالث السياسية عبر تجمعات دول عدم الانحياز ومجموعة السبعة والسبعين التي انتهت نهاية الثمانينات، وصعود قوة العالم الثالث الاقتصادية التي جسدتها دول جنوب شرق آسيا مطلع التسعينات. مع مهاتير محمد تتجسد مهارة الزعيم الذي لم يخضع لسطوة الانبهار بالغرب (West)، ولم تكن تهمه المظاهر الشكلية بقدر ما كانت تهمه عملية البحث عن الممرات المختصرة في التاريخ للارتفاع بأمته من دولة هامشية تجهل عاصمتها إلى دولة مركزية فاعلة في المسرح الدولي وهي محط أنظار العالم.
لقد وضع رؤيته الشهيرة المعروفة في ماليزيا بعبارة “دو وا بولو دو وا بولو” أي “عشرين عشرين: 2020″ وهي السنة التي وضعتها الاستراتيجية بعيدة المدى التي تم تنفيذها بخطى متسارعة منذ 1981 والتي تجعل سقف سنة 2020 المنعطف الذي تصبح فيه ماليزيا دولة متطورة، وليس دولة في طور النمو. في ذلك الوقت جعل قدوته الشرق ولذلك كان يقول انظر باتجاه الشرق (look East) ويعني بذلك اليابان تحديدا.

في جلسة حميمية مع أحد أبرز الشخصيات السياسية الماليزية وهو تان سري سنوسي جنيد، حدثنا عن قصة طريفة عندما كان في زيارة مع مهاتير محمد إلى الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس الأسبق رونالد رجان، كان هذا الأخير ينظر لكل زائريه من العالم الثالث نظرة مليئة بالاستعلاء والغرور، اقترب من الضيف الماليزي وقال له أنظر أمامك ما تراه هما العمارتين الأطول في العالم يقصد برجي مركز التجارة العالمي WTC!! فرد عليه أب ماليزيا الحديثة: سيدي الرئيس أطمئنك أنه سيكون في ماليزيا قريبا ما هو أطول منهما. وبالفعل احتفظ مهاتير بوعده للرئيس الأمريكي وفي عام 1998 كانت ماليزيا على موعد مع تدشين العمارتين الأطول في العالم المعروفتين ببرجي بتروناس. وكلنا يعلم ما حدث فيما بعد للبرجين الأمريكيين ذات يوم من أيام سبتمبر 2001 لما أصبحا خبرا من أخبار التاريخ.

عندما افتتح مهاتير البرجين قال في كلمته :”اليوم نضع بين يدي الماليزيين معلما يجعلهم يرفعون رؤوسهم وينظرون عاليا”، ومرة سألته صحفية مشاغبة، سؤالا استفزازيا قائلة:”إن اقتصاد ماليزيا لا يزال هشا وهو أقل من أن يتورط في بناية ضخمة من حجم برجي بتروناس التوأمين” فرد عليها مداعبا:”مثلنا مثل المرأة الحسناء القصيرة التي تحتاج إلى لبس الكعب العالي حتى تظهر طويلة”.

حقائق التاريخ ماثلة أمامنا وتمدنا بالدروس اليومية لو كنا نعقل!! ذلك أن الشعوب عليها أن تنظر إلى مصالحها بالدرجة الأولى بغض النظر عن الألوان واللغات وكل ما تحمله الأيديولوجيات السخيفة التي تملئ العقول بالتصورات العدمية للكون والتاريخ والأحداث الإنسانية وتغفل عن الحقائق اليومية الملموسة المجسدة. واللذين لا يزالون يتمسكون بلووك واست (Look West) (انظر غربا) تخونهم الحقائق اليومية واتجاه التاريخ، وسيضيعون وقتا ثمينا على شعوبهم عوض وضعها في سكة الحضارة فإنهم سيدخلونها إلى متاهة الرومان القديمة التي ستقضي عليهم عطشا دون أن يجدوا المخرج.

=====

وردت أهم أفكار “المقاربة المهاتيرية” في الكتاب الذي وضعه مهاتير محمد بعنوان “المعضلة الملاوية”، الذي تحدث فيه عن تهميش الملايو في عهد الاستعمار البريطاني، وانتقد بشدة استسلامهم لهذا التهميش، وبلور مهاتير في هذا الكتاب ما أصبح نظريته فيما بعد، واتجاها سياسيا ينتسب إليه، اسمه (المهاتيرية)، وتقوم أفكاره على تشكيك مهاتير في نوايا الغرب من العولمة، والدعوة إلى التحرر من النفوذ الاقتصادي والثقافي والسياسي الذي تمارسه الدول الغربية على ما تطلق عليه دول العالم الثالث.

النهضة العلمية والتكنولوجية الماليزية

إن أهمية تجربة مهاتير محمد تكمن في أنه لم يكتف بوضع أفكار نظرية مجردة، بل ترجمها فعلياً في شكل سياسات قابلة للتنفيذ، قامت بتحويل ماليزيا من بلد زراعي يعيش على زراعة المطاط وتصديره، إلى نمر اقتصادي يعيش على تصدير التكنولوجيا، ويجني منها عائد صادرات قيمته 59 مليار دولار سنويا، ويحقق فائضاً في ميزانه التجاري قيمته 25 مليار دولار سنويا، ويصل دخله القومي إلي 215 مليار دولار.

كذلك فالمهاتيرية لها رؤية خاصة للديمقراطية الليبرالية، تؤكد على ضرورة التمييز بين الغاية والوسيلة، وأن الديمقراطية رغم أنها واحدة من أفضل النظم السياسية التي عرفتها الإنسانية، إلا أنها لا تعدو كونها وسيلة للحكم غير مأمونة العواقب بالضرورة، فقد تؤدي إلى الفساد وإساءة استخدام السلطة كغيرها من الأنظمة السياسية، كما أنها لا تمثل ضمانا حقيقيا لتحقيق الاستقرار السياسي أو التقدم، وفى أحيان كثيرة أدت إلى الفوضى وإعاقة التطور، كما كانت في أحيان أخرى سببا في تراجع معدلات التنمية”.

ويقوم التصور المهاتيري هنا على أولوية قضية التنمية على التطور الديمقراطي في المراحل الأولى من التطور الاقتصادي، وقد قام مهاتير محمد بصياغة تجربة التنمية الماليزية وفق هذا التصور، الأمر الذي أدى إلى تأجيل عملية التطور الديمقراطي إلى الآن، رغم النجاح الذي حققه المشروع التنموي.